الفقر تحت المجهر

معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر هو بمثابة رابطة عالمية من علماء الاقتصاد، يجمعهم هدف طموح يتمثل في المساهمة في تغيير حياة فقراء العالم إلى الأفضل وذلك من خلال طرح تدخلات مجدية وأكثر فعالية على مستوى السياسات.

هل تعتبر الأساليب المتبعة للحد من الفقر ناجحة؟ وهل يعد التمويل الصغير أداة جيدة؟ ما أدنى الأسعار المقبولة للمنتجات الصحية الوقائية لكي تصبح بمتناول يد شريحة المستهلكين الأدنى دخلاً؟ وهل يمكن استخدام التحويلات المالية للحد من تسرب الطلاب  من المدارس؟

قد يختلف الخبراء في إجاباتهم على هذه الأسئلة وجميع الأسئلة الأخرى المتعلقة بالتنمية الاجتماعية عند البحث بالتفاصيل نظراً للتعقيدات والتداخلات التي يشهدها المجتمع الإنساني. لكن هناك مجموعة من الباحثين الأكاديميين في ما يسمى بمعمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر (J-PAL) تعتقد بأن أفضل الطرق لتحديد الأساليب الصالحة – وغير الصالحة كذلك – في التعامل مع مشكلة الفقر حول العالم هي من خلال البيانات. يعتمد 'المعمل' في نهجه على تقنيات 'التجارب السريرية' التي ثبتت فعاليتها على مدى سنوات طويلة في تقييم أثر السياسات المتبعة في عدة مجالات، إن كان على صعيد الصحة العامة أو الزراعة أو سوق العمل أو التعليم. وقد ساهمت نتائج هذه التجارب في تغيير نهج الحكومات والمنظمات غير الربحية حول العالم في دعم الفقراء والمحتاجين.

تأسس معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في الولايات المتحدة، لكنه أصبح ذي امتداد عالمي من خلال شبكة من أساتذة الجامعات المتعاونين أو المنتسبين ومرافق مشابهة حول العالم – كان أحدثها المركز الذي تم افتتاحه في يوليو الماضي في القاهرة. التقت مجلة 'زمن العطاء' مع أليسون فاهي، المديرة التنفيذية المؤقتة لمعمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وآدم عثمان، المدير العلمي المشارك في المعمل، لكي تتعرف على مخطط المعمل في تقديم نهجه المثبت بالأدلة والبراهين كأداة للتعامل مع بعض أكبر التحديات في منطقة الشرق الأوسط.

ما الغرض من إطلاق معمل التطبيقات العملية لمكافحة الفقر؟
فاهي: تأسس معمل التطبيقات العملية لمكافحة الفقر (Poverty Action Lab) عام 2003 في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على يد البروفيسور أبهيجيت بانرجي، والبروفيسورة إستر دفلو، والبروفيسور سيندهيل مولايناثان. كان السؤال الذي شغلهم ودفعهم إلى تأسيس المعمل بحثاً عن الإجابة هو: إذا نظرنا إلى كل الجهود الكبيرة التي بذلت في الماضي للحد من الفقر على مستوى العالم، كم من هذه التدخلات تكلل حقاً بالنجاح؟ بالنتيجة وجدوا عدم توافق بين جهود الحد من الفقر – على صعيد الوقت والأموال والموارد التي بذلت – والنتائج التي تم تحقيقها من حيث تحسين حياة الناس والحد من الفقر.

محور البحث هنا هو أنك إذا كنت من صانعي السياسات، على سبيل المثال، وترغب في التعامل مع تحديات التنمية الاجتماعية، فكيف ستقرر ما يجب فعله، وعلى ماذا تستند؟ ما هي الأدوات الفعّالة من حيث التكلفة المتاحة لك لكي تحدث فرقاً بمخرجات التنمية؟ وهكذا كان الدافع وراء إنشاء المعمل هو الخروج بأدلة وبراهين يمكن لصانعي السياسات الاعتماد عليها عند النظر في مثل هذه الأسئلة.

"ما نحاول قوله هو أنه لا شك أن الرغبة في الاستثمار في مساعدة الناس هي شأن رائع، لكن لماذا لا نتمعن أكثر في المقاربات لنكتشف ما هو الصالح منها وما هو غير المجدي".

آدم عثمان، المدير العلمي المشارك، معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نبذة

الاسم: معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر (J-PAL)
رائد العطاء الرئيسي: عائلة جميل – من خلال مجتمع جميل. إثر تقديم العائلة هبة مالية، تمت إعادة تسمية مختبر التطبيقات العملية لمكافحة الفقر إلى اسمه الحالي في عام 2005.
الموقع: المقر الرئيسي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى سبعة مكاتب إقليمية، تشمل معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في القاهرة في مصر.
تاريخ التأسيس: عام 2003، وتأسس المكتب الإقليمي في مصر في يوليو من عام 2020.
الشبكة: يدعم معمل عبد اللطيف جميل شبكة مكونة من أكثر من 200 أستاذ جامعي منتسب من جامعات حول العالم.
مجال التركيز: معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر هو مركز أبحاث عالمي يهدف إلى الحد من الفقر من خلال السعي إلى تبني سياسات تستند إلى الأدلة والبراهين.
نهج العمل: يتشارك الأساتذة المنتسبون إلى معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر مع الحكومات والمنظمات غير الربحية لاختبار أثر البرامج الاجتماعية على أرض الواقع. ويتم استخدام نتائج الاختبارات في رفع مستوى فعالية جهود الحد من الفقر.
الأثر: أكمل معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر أكثر من 1,000 تقييم عشوائي، تشمل 29 دراسة تمت في العالم العربي. وقد تم توسيع نطاق تطبيق البرامج التي ثبتت فعاليتها من خلال أبحاث واختبارات المعمل ليستفيد منها 400 مليون شخص حول العالم. وفي عام 2019 منحت جائزة نوبل في الاقتصاد لمؤسسي معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر، أبهيجيت بانرجي وإستر دفلو، لنهجهما الاختباري في مكافحة الفقر حول العالم.

ما هو النهج الذي تم اتباعه للتعامل مع النقص في الأدلة؟
فاهي: يماثل النهج الذي يتبعه معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر النهج المستخدم في الأبحاث الطبية التي تعتمد على ما يسمى بالتقييمات العشوائية الخاضعة للتحكم التي تساهم في اختبار فعالية مختلف الأدوية. أدرك الباحثون – من ضمنهم مؤسسو معمل عبد اللطيف جميل – أنه بإمكانهم استخدام نهج مماثل بهدف عزل وتحديد أثر برامج تنموية محددة؛ ثم العمل، بالشراكة مع الحكومات والوزارات والمنظمات غير الربحية، على اختبار فعالية السياسات بشكل فعلي على أرض الواقع. كان ذلك ابتكاراً حقيقياً.

كان هدفهم بناء رصيد من الأدلة والبراهين للتحقق من فعالية السياسات أو قصورها في تحقيق الأهداف التي صممت من أجلها، ثم وضع هذه الأدلة القوية بين أيادي صانعي السياسات ليستعينوا بها في إيجاد حلول أفضل.

ما هي العواقب عندما لا تكون هناك أدلة كافية؟
عثمان: لقد تم تقييم عدد كبير من البرامج والتدخلات، وتبيّن لنا أن عوائدها على الاستثمار تدنت إلى الصفر أو ما يقاربه، بينما بلغت قيمة تلك الاستثمارات مجتمعة مليارات الدولارات. ومن الأمثلة على ذلك مفهوم الاستثمار الصغير، والدعم الأولي الكبير الذي تم ضخه في تلك الصناعة. كانت الفكرة السائدة أن الاستثمار الصغير قادر على حل جميع مشاكل الفئات الفقيرة، لكن في الحقيقة تبين أن أثره كان محدوداً بشكل عام.

يضخ النظام القائم أموالاً كثيرة في أمور غير فعّالة، من دون أن يدرك أنها غير مجدية. "ما نحاول قوله هو أنه لا شك أن الرغبة في الاستثمار بمساعدة الناس هي شأن رائع، لكن لماذا لا نتمعن أكثر في المقاربات لنكتشف ما هو الصالح منها وما هو غير المجدي، ثم نعمل على توجيه الأموال العامة أو تمويل المؤسسات وفق النتائج.

"عندما نتأمل بفكرة زرع بذور ثقافة تعتمد على البراهين في صنع القرار، نرى أن لريادة العطاء دوراً عظيم الشأن في نشر مثل هذه الثقافة".

- أليسون فاهي، المديرة التنفيذية المؤقتة لمعمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

image title image title image title
يقوم معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر بسد الفجوة بين الأموال التي يتم الاستثمار بها للتخفيف من حدة الفقر والنتائج التي يتم تحقيقها. الصورة: بانوس.

كيف ساهمت تلك الأجندة في تشكيل نموذج عمل معمل عبد اللطيف جميل؟
فاهي: يتضح هذا في بعض الخصائص التي تميزنا عن باقي المنظمات. أولها، والأهم على الإطلاق، هو استخدامنا للتقييمات العشوائية لاختبار فعالية البرامج أو السياسات. وثانيها هو شبكتنا العالمية من أساتذة الجامعات المنتسبين، والتي تضم بعض أبرز الاقتصاديين المختصين في شؤون التنمية والباحثين في العلوم السياسية الذين ينتمون إلى ما يزيد عن 50 جامعة.

يشارك اليوم في الشبكة أكثر من 200 أستاذ جامعي من مختلف الخلفيات والمناطق الجغرافية والاهتمامات الأكاديمية – لكن ما يتشاركون به هو استخدامهم للتقييمات العشوائية كوسيلة لفهم الأثر. لذا، وإن كان المعمل قد تأسس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فهو بحكم نموذج عمله يستمد معلوماته وبعده الفكري عالمياً بفضل شبكة المنتسبين إليه. وهذا أمر بالغ الأهمية لأننا كي ندرك مواضيع السياسات الأبرز في منطقة ما من العالم، وطبيعة الحلول الملائمة لها، نحن بحاجة إلى أن نستند إلى قاعدة فكرية محلية قوية. وإنجازنا لمهامنا يتطلب منا حضوراً محلياً ومصداقية محلية وعلاقاتٍ محلية.

وتعزيزاً لهذا الحضور افتتح معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر سلسلة من المكاتب الإقليمية في جامعات مضيفة. يعمل كل واحد من هذه المكاتب على تسهيل الأبحاث، كلٌّ في منطقته، كما يعمل على ربط صانعي السياسات في الحكومات مع الباحثين في شبكتنا لتحديد الجوانب التي ينبغي النظر فيها، ثم الخروج بمجموعة أسئلة تتشارك الأطراف المعنية سوياً بإيجاد أجوبة لها. واليوم لدينا أكثر من 400 شخص في سبعة مكاتب إقليمية حول العالم بالإضافة إلى المكتب الرئيسي في معهد ماساتشوستس، ما وفر لنا دفعاً قوياً في عملنا سواء من جانب الباحثين أو الشركاء العديدين الذين نعمل معهم.

ما هي الجهات التي عادة ما تتشاركون معها خلال عملكم؟
فاهي: نعمل بشكل أساسي مع الحكومات، إذ تشكل الدوائر الحكومية الجهات المنفذة لما يقارب نصف الدراسات التي نعدها. كما نعمل أيضاً مع المنظمات غير الحكومية، والمنظمات غير الربحية، والمؤسسات الخيرية. يمكن القول بأن شركاءنا بشكل عام هم أشخاص يمتلكون الصلاحيات ذات الصلة ومكلفون بتصميم وإعداد البرامج الخاصة بالحد من الفقر، وهم على دراية تامة بالمشكلة التي يحاولون إيجاد حل لها. كما أنهم غالباً ما يكونون أنفسهم مصدراً للأفكار المبتكرة والمثيرة للاهتمام حول الحل المحتمل الأمثل.

كيف تضمنون أن تتم ترجمة نتائج الأبحاث وتوصياتها إلى سياسات؟
فاهي: لا شك أن الأبحاث الأكاديمية الراقية رائعة، لكن فوائدها محدودة إذا انحصر تداولها ضمن الأوساط الأكاديمية. نحن نحرص أن نركز على الأبحاث التي تستهدف الفجوات في المعرفة العملية والتي تسعى للإجابة على الأسئلة التي تهم صانعي السياسات بالدرجة الأولى. وعند اكتمال هذه الأبحاث، نعمل على تغذية عملية صنع السياسات بالمعرفة والبيانات التي تم استنتاجها من تلك الأبحاث. تسعى مكاتبنا الإقليمية بدورها إلى تعزيز هذه الشراكات القوية وخلق مسار لتبادل الأدلة والبراهين المطلوبة.

كما يساهم التدريب الذي نقدمه في تحقيق هدفنا المتمثل في اعتماد المعنيين على نتائج أبحاثنا، ونشر ثقافة الاستناد إلى الأدلة والبراهين في تشكيل السياسات. نحن نمضي وقتاً طويلاً بالعمل مع صانعي السياسات والمانحين لبناء قدراتهم على توليد الأدلة واستخدامها في أعمالهم. من جهة أخرى، يهمنا كثيراً أن نعمل مع الباحثين في المنطقة. تساهم كل هذه الأمور في تعزيز بيئة تشجع على التفكير في مسألة الفعالية.

هل يمكنك مشاركتنا بمثال عملي عن عملكم هذا؟
فاهي: لننظر، على سبيل المثال، في الأهداف الإنمائية للألفية. أحد هذه الأهداف نادى بضرورة زيادة نسبة حضور الطلاب في المدارس حول العالم، وكان التقدم في تحقيق هذا الهدف حقاً ملفتاً للنظر، إلا أنه قد تم الكشف عن تحدٍ آخر. ففي الوقت الذي كان فيه الطلاب حاضرين في مقاعد الدراسة، كشفت تقييمات تم إعدادها على المستويين الوطني والدولي عن أدلة تثبت أن الطلاب لم يكونوا بالضرورة يتعلمون شيئاً. والسؤال الذي طرح نفسه حينها هو: بعد أن تحقق الهدف المتمثل بحضور الطلاب إلى المدرسة، كيف نضمن أنهم سيتلقون بالفعل التعليم؟

أحد أوائل التقييمات التي أجراها أساتذة جامعيون منتسبون لمعمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر كانت بالشراكة مع واحدة من أكبر المنظمات غير الحكومية الهندية التي تعنى بالتربية والتعليم، تدعى 'براتام'. كانت هذه المنظمة قد كشفت عن تحدٍ واجه المعلمين في المدارس، وهو: كيف يمكن للمعلم أن يعلم صفاً دراسياً يضم أطفالاً يتعلمون بنسبٍ متفاوتة؟ أو كيف يمكنك تعليم الطلاب المواظبين على اللحاق بالمنهاج الدراسي وفي الوقت نفسه تساعد أولئك المتأخرين بالدراسة؟

باشر الأساتذة بتصميم دراسة تقييمية سريعة تهدف إلى فهم مستوى تعلم القراءة والكتابة والمهارات الرقمية لدى مختلف الطلاب. ظهرت روح الابتكار الحقيقية في الخطوة التالية، المتمثلة في تقسيم الطلاب خلال فترة محددة من النهار إلى مجموعات وفق مستوى تعلمهم وليس أعمارهم، ثم تعليمهم بمواد تتناسب مع المستوى المحدد لكل مجموعة قبل أن يعودوا جميعاً إلى ذات الصف الدراسي الاعتيادي. استمر الباحثون بهذا النهج إلى أن لاحظوا بعد فترة من الزمن أن الطلاب المتخلفين في دراستهم قد أحرزوا تقدماً كبيراً في مهارات القراءة والحساب، ما جعلهم يقاربون كثيراً مستوى صفهم النظامي.

تم تنقيح هذه النُهج وتحسينها لكي تصبح بالنهاية برنامجاً تجريبياً تم توسيع نطاقه ليطبق في المدارس الحكومية والبرامج التربوية التي تقدمها المنظمات غير الحكومية. واليوم يستفيد أكثر من 60 مليون طالب في الهند من البرنامج الذي تمت تسميته بنهج "التعلم وفق المستوى الصحيح"، وقد تم تبنيه بالكامل من قبل الجهات التربوية الحكومية.

أطلق معمل عبد اللطيف جميل مؤخراً مكتبه الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الجامعة الأميركية بالقاهرة. ما هي بعض الفرص التي تتطلعون إليها لإضافة القيمة في المنطقة؟
فاهي: التزم معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر منذ زمن طويل بالعمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد قام منتسبونا بإجراء أبحاثهم هنا منذ عام 2007، وكانت هناك رغبة منذ زمن بافتتاح هذا المكتب. وما نركز عليه هنا هو المجالات الأكثر أهمية لمعظم صانعي السياسات، والتي تشمل تنمية فرص العمل والقطاع الخاص؛ والمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة؛ والقضايا الإنسانية وتغير المناخ. نحن نعتقد أن نهجنا قادر حقاً على إضافة القيمة في هذه المجالات، وردم الثغرات القائمة في مجال الأدلة والبراهين.

على مستوى العالم، أنجز المنتسبون لمعمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر ما يزيد عن 1,000 دراسة تقييم أثر لبرامج اجتماعية شتى، ولا تزيد نسبة الدراسات منها التي تمت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن 3 بالمئة فقط. إن إيجاد الحلول الصالحة للمنطقة يتطلب أبحاثاً يتم إعدادها محلياً. لذا، هناك فرص رائعة أمامنا لنقيم شراكات مع المنظمات هنا، وأن نختبر ونتعرف سوياً على الأثر التي تتركه أعمالهم.

إعداد الأدلة

تمثل الشركات الصغيرة الدعامة الأساسية للاقتصادات المحلية، لكن الجزء الأكبر من قدرتها على النمو لا يعتمد على أعمالها المحلية، بل على التوسع في الخارج. وتقليدياً، تعد عملية ربط الشركات في الدول النامية مع الأسواق الخارجية السبيل لزيادة الأرباح، وتحسين مستوى معيشة أصحاب هذه الشركات والعاملين لديهم.

كما يُنظر إلى التصدير على أنه عملية تسهم في رفع مستوى المهارات وجودة المنتجات المحلية لأن الشركات في الأسواق المتدنية الدخل تسعى لتلبية متطلبات الجودة من المستهلكين في الخارج.

وفي محاولة لفهم كيف يمكن لعمليات التصدير أن تؤثر على أرباح الشركات وإنتاجيتها، قام كل من ديفيد آتكين، وآدم عثمان، وآميت كهانديلوال، وجميعهم منتسبون لمعمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر (J-PAL)، بإجراء دراسة تقييم عشوائي لصغار منتجي السجاد التقليدي في قرية فوّه في مصر. تضم هذه القرية، التي تبعد ثلاث ساعات بالسيارة شمال القاهرة، مئات الشركات الصغيرة التي تعمل في صناعة السجاد اليدوي باستخدام أنوال النسيج الخشبية. تقتصر إدارة هذه الشركات عادة على شخص واحد، ولا تزيد نسبة الشركات التي أنتجت سجاداً لسوق التصدير، على حد علمها، عن 12 بالمئة.

قدمت الدراسة الفرصة لـ 74 شركة من هذه الشركات لتصدير منتجاتها من السجاد المصنوع يدوياً إلى تجار في أسواق عالية الدخل، بينما بقيت الشركات الأخرى وعددها 145 على حالها لتفي بأغراض المقارنة.

أظهرت نتائج الدراسة أن الأرباح الشهرية للشركات المصدرة قفزت بنسبة 26 بالمئة، مقارنة بمجموعة المقارنة، مع زيادة قدرها 43 بالمئة في سعر السجادة الواحدة التي يتم بيعها. في هذه الأثناء، تحسنت أيضاً جودة السجاد الذي تنتجه الشركات المصدرة، إذ يبدو أنها حسّنت أسلوبها في الصناعة نتيجة تعاملها مع تجار في أسواق أجنبية. كما أشارت نتائج الدراسة إلى أن منتجي السجاد المصدّر زادوا من سرعة إنتاجهم وجودته مقارنة بالمجموعة الأخرى، ما يؤكد على زيادة فعالية عملهم.

وقد استنتج الباحثون في الدراسة أنه بإمكان النفاذ الأوسع إلى الأسواق الأجنبية أن يوفر مردوداً أفضل من النفاذ الأوسع للأسواق المحلية – لا سيما إذا اقترن بتوفر الخدمات الائتمانية والتدريب على إدارة الأعمال.

"على الرغم من أن الفيروس لا يفرق بين الناس، إلا أن آثار الأزمة هي الأسوأ على أفقر الشرائح المجتمعية وأكثرها ضعفاً. ما يدعو للقلق هنا هو كيف سيؤدي هذا الوضع إلى تفاقم أوجه عدم المساواة".

- أليسون فاهي، المديرة التنفيذية المؤقتة لمعمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

كيف سيتم تمويل هذه الأعمال؟
عثمان: هدفنا هو جمع مبلغ يقارب الـ 10 ملايين دولار لكي نموّل الأبحاث وإعداد الأدلة على مدى الخمسة أعوام القادمة، مع احتمال إقامة نحو 10 دراسات جديدة في كل عام. يمكن لاستثمار بهذا الحجم أن يحوّل مشهد الأبحاث في منطقة الشرق الأوسط – وهو مجال تعتبر فيه الأبحاث متباطئة ومتراجعة في الوقت الحالي. وسيكون لاستثمار من هذا النوع أثر أكبر من المستهدفات المباشرة، ليس على صعيد تحسين السياسات فحسب، بل أعتقد أن له القدرة على تغيير مجمل الثقافة السائدة حول الأبحاث والبراهين، والمساهمة في ظهور جيل جديد من العلماء، وخلق فرص لا تحصى لتحسين حياة الناس.

لقد تأكدت من خلال تواصلي مع صانعي السياسات، وقادة المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، فضلاً عن جهات أخرى في هذا المجال، أن هناك العديد من الأفراد الذين يستثمرون وقتهم ومواردهم في سبيل مساعدة الآخرين. والسؤال الذي يتردد تقريباً في كل حوار أشارك به هو: "ما الذي يمكننا القيام به بصورة أفضل؟".

هناك طلب كبير على المعرفة، ورغبة قوية في تحسين الأساليب المتبعة في مساعدة الناس. فليس هناك نقص في الطلب على الأدلة والبراهين، إنما النقص هو في العرض.

هناك تقاطعات بين صنع السياسات المبنية على الأدلة والتركيز المتنامي على العطاء الاجتماعي الاستراتيجي. كيف يمكن الانتفاع من هذه التقاطعات في المنطقة؟
فاهي: يقوم جزء مهم من نموذج عملنا على دعم العمل الخيري والعطاء الاجتماعي. عالمياً، نعمل مع كل من ريادة العطاء الثنائية والخاصة – مثل المكاتب العائلية، ومؤسسة بيل وميليندا غيتس، وتحالفات المانحين مثل ’كو -إمباكت‘، وغيرها – ونحن نرغب بفعل ذات الشيء هنا أيضاً. عندما نتأمل بفكرة زرع بذور ثقافة تعتمد على البراهين في صنع القرار، نرى أن ريادة العطاء تلعب دوراً عظيم الشأن في نشر مثل هذه الثقافة. نحن نعمل بالفعل بشكل وثيق مع 'مجتمع جميل'، ونرغب بالعمل مع المزيد من المؤسسات الخيرية لنشاركها المعرفة التي اكتسبناها من أبحاثنا، ولكي نساعدها في أن تضمن أن البرامج التي تمولها تؤتي ثمارها على أفضل صورة.

من جهة أخرى، وبحكم عملنا في برامج مشوقة ومبتكرة بالفعل، نأمل أن نتمكن من تحديد أفكار كبيرة يمكن توسيع نطاق تطبيقها لتصل الملايين من البشر عبر المنطقة. وهذا هو الهدف الأشمل: أن نضمن تبني الأفكار القابلة للتطبيق على نطاق واسع ضمن السياسات، مع التركيز على الجوانب التي من شأنها أن تحسن حياة الناس بشكل مادي وملموس. يأتي هنا الدور الحاسم الذي يمكن أن يؤديه قطاع العمل الخيري والعطاء من خلال تمويل عملية الابتكار والاختبار ومعرفة المقاربات الناجحة.

إلى أية درجة تسببت جائحة كوفيد-19 بعكس المكاسب التي تم تحقيقها عالمياً في الحرب ضد الفقر؟
عثمان: هناك مخاطر هائلة تهدد ما تم إنجازه، وأعتقد أن العملية العكسية قد بدأت بالفعل. أول ما يتبادر إلى ذهني ثلاثة مجالات رئيسية هي: التعليم والصحة والبنية التحتية. مع غياب أعداد هائلة من الطلاب عن المدارس، لا شك أن جائحة كوفيد-19 ستؤثر سلباً على التحصيل العلمي، كما ستؤدي إلى تعميق أوجه عدم المساواة في التعليم.

أما بالنسبة للصحة على الصعيد العالمي، فقد حدث تعطيل كبير في برامج التطعيم. وكما أظن ذُكر عن بيل غيتس قوله أنه من المرجح أن تقتل جائحة كوفيد عدداً من الناس أقل من أولئك الذين سيموتون على المدى الطويل نتيجة تلك التعطيلات في مسار برامج التطعيم.

والشأن الثالث هو البنية التحتية. تعتمد حكومات الدول المتدنية والمتوسطة الدخل بشكل كبير على فرص الديون لكي تستثمر في البنى التحتية، لكن الوضع السائد اليوم هو أن كل دولة ستواجه مشاكل الديون، وهذا سيؤدي إلى انسداد في شرايين مسيرة التقدم. أعتقد أننا سنشهد تأثير هذه المشكلة على دول العالم النامي لزمن طويل.

فاهي: مصدر قلق آخر سببته الجائحة هو أنه على الرغم من أن الفيروس لا يفرق بين الناس، إلا أن آثار الأزمة هي الأسوأ على أفقر الشرائح المجتمعية وأكثرها ضعفاً. ما يدعو للقلق هنا هو كيف سيؤدي هذا الوضع إلى تفاقم عدم المساواة. وسيكون التحدي الكبير أمام الحكومات والقطاع الخيري في تحديد أشد احتياجات الفئات الفقيرة في ظل الأزمة التي خلقتها الجائحة، ثم البحث عن الوسائل لتخفيف أثرها.

هل يمكن استغلال الظروف الراهنة تحت ظل الجائحة لإجراء اختبارات موسعة للتدخلات الهادفة للحد من الفقر، مثل الدخل الأساسي الشامل أو التحويلات النقدية الموجهة؟
فاهي: أعتقد أن الجائحة كشفت عن الأهمية الملحة لسياسات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر عرضة للمخاطر. لذا، فإن بعض المفاهيم التي لم تلق الاهتمام الكافي في السابق – مثل الدخل الأساسي – بدأت تحظى بتأييد أكثر. أعتقد أيضاً أن هناك فسحة للتفكير بالحماية الاجتماعية بطريقة خلاقة أكثر، وربما ربطها بشكل صريح أكثر بسبل المعيشة المنتجة والتأكيد على توفير الفرص للناس للعودة إلى العمل.

عثمان: أعتقد أن الاستثمار في الصحة العامة سيصبح أولوية أكثر من السابق. أنا أيضاً من المتفائلين بالتكنولوجيا، وأظن أن الزيادة الكبيرة في أعداد الناس الذين يعملون ويتعلمون عبر الإنترنت من منازلهم خلال فترات الحظر والإغلاق ستؤدي إلى ابتكارات جديدة من شأنها أن توفر خيارات لخدمات أدنى كُلفة في مجالات مختلفة مثل الصحة والتعليم. – PA

اقرأ المزيد