عندما يفقد طفل أحد أطرافه في الحرب، فإن الإصابة لا تكون جسدية فحسب؛ بل تمتد لتشمل أبعادًا نفسية وعاطفية واجتماعية، وقد ترقى إلى "وجودية" في كثير من الأحيان. ينهار عالم الطفل في لحظة واحدة. وغالبًا ما يكون منزله قد دُمّر، ووالداه قد قُتلا، وأشقاؤه قد فُقدوا.
وما لم نتعامل مع جميع هذه الأبعاد مجتمعة، فإننا سنخفق في حق هؤلاء الأطفال.
على مدى عقود، عملتُ في مناطق الحروب والمجتمعات المتأثرة بالنزاعات، في وقت تكررت صادفت فيه حقيقة تكررت باستمرار: لا وجود لحل سحري. لا مختبر أطراف صناعية، ولا طابعة ثلاثية الأبعاد، ولا مشروع بطولي منفرد قادر وحده على معالجة المشكلة.
ما نحتاجه حقيقةً هو مقاربة متكاملة قائمة على فهم شامل للمنظومة، ونظام يربط بين الجراحة، والأطراف الصناعية، وإعادة التأهيل، والصحة النفسية، والتعليم، وإعادة الاندماج المجتمعي ضمن مسار رعاية متماسك ومترابط.
إن علاج الإصابة التي تؤدي إلى البتر هو رحلة متدرجة تنطوي على عدة مراحل. تبدأ بالجراحة، ثم تنتقل إلى الجراحة الترميمية، ثم تركيب الطرف الصناعي الأولي، ثم إعادة التأهيل، وصولًا إلى إعادة الاندماج في المجتمع. وإذا انقطع أي جزء من هذا المسار، تصبح المراحل اللاحقة عديمة الجدوى.
ففي حال لم تُجرَ الجراحة اللازمة لتشكيل الطرف المبتور بطريقة سليمة، فإن الأطراف الصناعية غير الملائمة وما يصاحبها من ألم ستؤدي إلى وضع هذه الأطراف في الخزائن، وعودة الأطفال إلى الكراسي المتحركة. وإذا لم يكن الطرف الصناعي مهيأً ليتناسب مع طبيعة أرض غزة وظروفها، فسيتخلى الطفل عن استخدامه.
وعلاوة على ذلك، عدم تنفيذ عملية إعادة التأهيل على نحو سليم يفضي إلى إصابات ثانوية تبدأ بالظهور في الطرف الآخر السليم. وعند تجاهل إعادة الاندماج، مثل العودة إلى التعليم وتوفير الدعم النفسي-الاجتماعي، يُبقي الطفل معزولًا ومنفصلًا عن محيطه.
لقد شهدنا هذا السيناريو مرارًا وتكرارًا؛ حيث حصل أطفال على عدة أطراف صناعية مقدَّمة من منظمات غير حكومية مختلفة، لكنهم لم يستخدموها لأنها كانت مؤلمة أو ثقيلة أكثر من اللازم. هذا هو بالضبط ما يحدث عندما تُنفَّذ التدخلات بشكل مجزّأ ومنفصل. لهذا فنحن بحاجة إلى شبكة دعم مترابطة، لا إلى مشاريع متفرقة لا يجمعها إطار واحد.
ولهذا السبب أشعر بارتياح بالغ لإطلاق مبادرة مشتركة تقودها مؤسستان فلسطينيتان خيريتان، هما مؤسسة التعاون (Taawon) ومؤسسة منيب وأنجيلا المصري، بالشراكة مع معهد الصحة العالمية في الجامعة الأميركية في بيروت، وبالتنسيق مع وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتهدف هذه المبادرة إلى وضع خارطة طريق تمتد لعشرين عامًا لإعادة بناء منظومة التأهيل في قطاع غزة.
يُعدّ برنامج Gaza Rehab Care برنامجًا شاملًا لإعادة التأهيل موجّهًا لمبتوري الأطراف بسبب الحرب في غزة. وهو لا يركّز على تدخل واحد بعينه، بل يسعى إلى بناء منظومة رعاية متكاملة ترافق المصاب طوال حياته.