القيادة الملهمة في العمل الإنساني

الأمين العام لمؤسسة الوليد للإنسانية، صاحبة السمو الملكي الأميرة لمياء بنت ماجد آل سعود، تتحدث عن كيف تسهم النساء في تشكيل مستقبل العمل الخيري في العالم العربي.

 

على مدى التاريخ، لم يكن العمل الإنساني مجرد تعبير عن الكرم والعطاء، بل كان أيضًا مجالًا أظهرت فيه النساء دورًا قياديًا ورؤية استراتيجية. فمن خلال خبراتهن وتجاربهن، أسهمن في بناء مبادرات ومؤسسات تدعم المجتمعات وتلبي احتياجاتها.

في المملكة العربية السعودية، يشهد القطاع الخيري نموًا متسارعًا. فمنذ عام 2022، زاد عدد الكيانات غير الربحية بنسبة 73%، ما أوجد مساحة جديدة للقيادة والابتكار. وفي هذا النظام المتوسع، تؤدي النساء دورًا محوريًا في دفع التأثير قُدمًا في مجالات التعليم والصحة وحفظ التراث الثقافي.

في مؤسسة الوليد للإنسانية، نفخر بأن يقود فريق عملنا نساء بالكامل. ، ونفخر كذلك برؤية منظمات غير ربحية رائدة أخرى في المملكة – مثل مؤسسة الملك خالد، وجمعية مودة، وجمعية النهضة – تدعم أيضًا تمكين المرأة في المناصب القيادية.

"تاريخيًا، ساهمت المرأة السعودية في العمل الخيري من خلال الدعم غير المباشر داخل الأسر. أما اليوم، فهي تقود المشهد بشكل واضح وتُحدث تأثيرًا اجتماعيًا واسع النطاق."

image title

قبل أن يأخذ العمل الخيري المؤسسي شكله المعروف، كانت النساء بالفعل في طليعة التغيير. في مصر في القرن التاسع عشر، تُعد الأميرة فاطمة إسماعيل شخصية رائدة كسرت الأعراف المجتمعية حينذاك بدعمها العلني لتأسيس جامعة القاهرة. وقد شكّل دعمها الجريء للتعليم لحظة مفصلية في تغيير دور النساء في المجتمع. تبرعت بقطعة أرض وأموال ومجوهراتها الخاصة لتأسيس أول كلية للطب، ضامنة بذلك تدريب النساء في هذا المجال للمرة الأولى في البلاد.

الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، شقيقة مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، تبقى واحدة من أوائل رموز القيادة النسائية في المجتمع السعودي. كانت مستشارة موثوقة وشخصية بارزة بقوة فكرها، تحظى باحترام واسع لحكمتها واستقلاليتها وانخراطها المجتمعي. دعمت تعليم المرأة وصحتها، وأسست أحد أوائل المستوصفات النسائية في الرياض. ويستمر إرثها اليوم ليس فقط في المؤسسات التي تحمل اسمها، بل في التحول الثقافي العميق الذي أسهمت في ترسيخه، وهو الاعتراف بدور المرأة كشريك فاعل في الحياة العامة ودفع عجلة المجتمع.

في منطقة الخليج، ساهمت الشيخة موزة بنت ناصر من قطر والشيخة فاطمة بنت مبارك من الإمارات في إعادة تشكيل العمل الإنساني على المستويين الإقليمي والعالمي. ركزت الشيخة موزة على التعليم والتنمية الاجتماعية، وأسست مؤسسات تعزز الوصول إلى المعرفة والابتكار والكرامة الإنسانية، لا سيما للفئات الأكثر احتياجاً. أما الشيخة فاطمة، المعروفة بـ"أم الإمارات"، فقد كرست جهودها لحقوق المرأة والرعاية الاجتماعية، مركزة على صحة الأمومة ورفاه الطفل وتوسيع فرص التعليم للنساء. ساعدت قيادتها في ترسيخ مشاركة المرأة في التنمية وجعلت الرعاية والرحمة في قلب التقدم الوطني.

وفي لبنان، تعد السيدة ليلى الصلح من أوائل الوزيرات العربيات اللاتي كان لهن تأثير تحولي في العمل الخيري. ومن خلال قيادتها لمؤسسة الوليد للإنسانية (لبنان)، ركزت جهودها على الحد من الفقر ودعم الصحة والتعليم والحفاظ على كرامة الفئات المهمشة. جمع نموذج عملها في العطاء بين التعاطف الشخصي والعمل من أجل تغيير مستدام، ظل أثرها ممتدًا في المجتمع والحياة العامة.

image title
صاحبة السمو الملكي الأميرة موضي بنت خالد آل سعود تُعد من الأصوات البارزة في العمل الخيري في المملكة العربية السعودية، وتُعرف بدعمها لتمكين المرأة، ودمج ذوي الإعاقة، والابتكار الاجتماعي.

تتوسع اليوم ريادة النساء في العمل الخيري من حيث النطاق والتأثير. في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تقود النساء مبادرات نوعية في مجالات التعليم، وحفظ التراث، والصحة، والإسكان.

في المملكة العربية السعودية، تؤدي النساء دورًا محوريًا في رسم ملامح مرحلة جديدة من العمل الخيري تتماشى مع أهداف التنمية الوطنية والحفاظ على الثقافة. من دعم صحة المرأة وتعليمها، إلى تمكين الحرفيين والصناعات التراثية، تقود النساء مبادرات تربط بين المجتمعات المحلية وشبكات عالمية.

تاريخيًا، كانت مساهمات المرأة السعودية في العمل الخيري تتم غالبًا ضمن نطاق عائلي. أما اليوم، فهي تتصدر المشهد وتدير مبادرات ذات أثر واسع. وتُعد صاحبة السمو الملكي الأميرة عادلة بنت عبد الله إحدى أبرز الشخصيات النسائية في العمل الخيري السعودي، إذ كرّست جهودها لتمكين المرأة من خلال دعم التعليم وريادة الأعمال والتنمية المجتمعية. كما ساهمت في رفع الوعي الصحي وتعزيز الحماية القانونية، ما يجعلها من أبرز رواد العمل التطوعي والمجتمعي.

أما صاحبة السمو الملكي الأميرة موضي بنت خالد آل سعود، فهي من الأصوات الرائدة في العمل الخيري السعودي، عُرفت بريادتها في قضايا تمكين المرأة، ودمج ذوي الإعاقة، والابتكار الاجتماعي. ساهمت في تشكيل مبادرات غير ربحية تربط بين الاستراتيجية وقياس الأثر، ما يعكس دور النساء المتزايد كمحركات للتنمية الوطنية.

في إطار رؤية المملكة 2030، تزداد أعداد النساء اللواتي يؤسسن ويدرن مبادرات خيرية تستهدف القضاء على الفقر، والحفاظ على التراث، وتحفيز الابتكار الاجتماعي. قيادتهن لا تقتصر على تعزيز ثقافة العطاء، بل تمتد إلى صياغة حلول استراتيجية تدعم التحول الوطني طويل المدى.

أدى القطاع غير الربحي في المملكة دورًا مهمًا في تضييق الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز استقلال المرأة اقتصاديًا. 61% من القوى العاملة في القطاع تتراوح أعمارهم بين 20 و40 عامًا، وهي شريحة تشمل عددًا كبيرًا من النساء، ما يعكس الدور المتنامي للمرأة في هذا المجال الحيوي.

"النساء يتبعن أسلوبًا مختلفًا في العطاء؛ يتعاونّ ويعطين اهتمامًا خاصًا، ويحرصن غالبًا على إيجاد حلول طويلة الأمد بدل الحلول السريعة والمؤقتة."

غالبًا ما تعتمد النساء أسلوبًا مختلفًا في العطاء، يقوم على التعاون والتركيز على حلول مستدامة بدل الاعتماد على المساعدات السريعة. ويتميز عطاؤهن بالاهتمام الشخصي، وهذه الصفات ليست ضعفًا، بل عناصر قوة تضيف عمقًا ومصداقية ورحمة للعمل الخيري

تركز القيادات النسائية في العمل الخيري عادة على التكامل والاستدامة وتلبية احتياجات المجتمعات. وتشير الدراسات إلى أن النساء أكثر استعدادًا بنسبة 40% من الرجال لدعم البرامج التي تركز على النساء والأطفال، وغالبًا ما يفضلن حلولًا طويلة الأمد بدل المساعدات المؤقتة.

لتعزيز أثر العمل الخيري، من الضروري الاستثمار في المبادرات النسائية، وتعزيز مشاركتهن الفاعلة، وإبراز الدور المؤثر الذي تلعبه .النساء في إحداث الأثر في المجتمع

لطالما كانت النساء مبتكرات ورائدات وصانعات للتغيير، ومستقبل العمل الخيري يقوم على الابتكار والتوسع الاستراتيجي، مدعومًا بالثقة .والأهداف المشتركة

لقد أظهرت النساء في جميع أنحاء العالم، وعبر التاريخ، كيف يمكن القيادة بهذه القيم. وعلى العمل الخيري أن يحتذي بهن.