من النجاة إلى التعافي

مبادرة خيرية تضع خارطة طريق تمتد لعشرين عامًا لدعم جرحى الحرب في فلسطين عبر إعادة بناء منظومة التأهيل الطبي.

بعد مرور أكثر من عامين على اندلاع الحرب، تشير التقديرات إلى أن نحو 6,500 فلسطيني قد فقدوا أطرافهم، بينما تسجل غزة اليوم أعلى معدل عالمي لحالات بتر الأطراف بين الأطفال نسبةً إلى عدد السكان.

ويواجه النظام الصحي حالة من الانهيار شبه الكامل؛ إثر فقدان جزء كبير من كوادره بين شهيد ونازح، وتعرض منشآته لدمار واسع، فضلاً عن المنع المتكرر للإمدادات الطبية الأساسية عند المعابر.

واليوم، لا يتواجد في غزة سوى ثمانية مختصين فقط في تركيب الأطراف الصناعية، يفتقر جميعهم للتدريب المتخصص في التعامل مع الأطفال، في حين لا يتمكن سوى مريض واحد من كل خمسة من الحصول على كراسي متحركة أو وسائل مساعدة حركية أساسية.

وفي ظل هذا الواقع القاسي، تسعى مبادرة جديدة مدعومة من العمل الخيري إلى تحقيق هدف استراتيجي نادراً ما تلتفت إليه الجهود الإغاثية التقليدية، وهو بناء منظومة تأهيل وطنية مستدامة قادرة على دعم المصابين الفلسطينيين لعقود مقبلة.

وفي هذا الصدد، أُطلقت مبادرة "رعاية التأهيل في غزة" (Gaza Rehab Care - GRC) لتمكين الكوادر الطبية داخل القطاع من تقديم خدمات الأطراف الصناعية والدعم النفسي للمصابين، سعياً لاستعادة القدرة على الحركة والعودة إلى ممارسة حياتهم الطبيعية.

وتقود هذه المبادرة كل من مؤسسة "تعاون"، ومؤسسة "منيب وأنجلا المصري"، ومعهد الصحة العالمية في الجامعة الأميركية في بيروت، بالتنسيق الوثيق مع وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبمشاركة تقنية من خبراء اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجامعة إمبريال كوليدج لندن.

"يهدف التزامنا الذي يمتد لعشرين عامًا إلى بناء بيئة متكاملة لرعاية مبتوري الأطراف، وليس مجرد توفير حلول مؤقتة للإصابات."

الدكتور طارق أمتيرة، المدير العام لمؤسسة التعاون،

وعلى مدار العقدين المقبلين، تخطط المبادرة لحشد تمويل بقيمة 500 مليون دولار عبر صندوق مشترك، بما يضمن إعادة بناء شاملة ومتكاملة لقطاعي التأهيل والرعاية الصحية، مع ترسيخ مبدأ الاستدامة بدلاً من التدخلات الإغاثية الوقتية والمحدودة.

وفي تعليق له، قال الدكتور طارق امطيرة، المدير العام لمؤسسة "تعاون":"لطالما اتسمت مساعدات التأهيل في غزة بكونها مرحلية ومنعزلة، ما أدى إلى تشتت مسارات علاج المرضى. وقد صُممت مبادرة 'رعاية التأهيل في غزة' للخروج من هذه الحلقة المفرغة؛ فالتزامنا الممتد لعشرين عاماً يهدف إلى بناء بيئة متكاملة لرعاية حالات بتر الأطراف، وليس مجرد تقديم حلول مؤقتة للإصابات".

وتركز المرحلة الأولى من المبادرة على إعادة تشغيل المرافق والخدمات الأساسية، بما في ذلك تسيير وحدات متنقلة لتقديم الحد الأدنى الفعَّال من الرعاية للمصابين ومبتوري الأطراف.

قال عبدالله يوسف، خبير البرامج والاستراتيجية في مؤسسة TBHF، وهي شريك طويل الأمد لمبادرات مؤسسة تعاون في فلسطين وأحد أبرز الممولين للاستجابة الميدانية الداعمة للأطفال في غزة، إنهم أرادوا جمع التبرعات لصالح الرعاية التأهيلية في غزة. وقال يوسف لمجلة Philanthropy Age: "لقد استهوانا هذا النهج بشكل خاص لأنه يركّز على تعزيز قدرات التأهيل داخل غزة نفسها، ما يتيح لعدد أكبر من المرضى الوصول إلى رعاية مستدامة محليًا، إلى جانب دعم المنظومة على المدى الطويل".

وسيُوجَّه التمويل الأوَّلي لصالح "مركز الأطراف الصناعية والشلل" في مدينة غزة، مع دراسة ضم مراكز أخرى مستقبلاً. كما يجري العمل على تطوير منصة رقمية لإدارة الحالات، تتيح تسجيل المرضى ومتابعتهم في كافة مراحل العلاج، بدءاً من الرعاية الطبية وصولاً إلى التأهيل النفسي والدمج المجتمعي.

انقر هنا لقراءة المزيد عن مركز ALPC في غزة

يُعد "مركز الأطراف الصناعية والشلل"، الذي تأسس عام 1976، أحد المنشئات القليلة الصامدة في غزة التي تقدم خدمات التأهيل الخاصة بالأطراف الصناعية العلوية والسفلية.

وقالت الدكتورة نيفين الغصين، القائمة بأعمال مدير المركز لمنصة "Philanthropy Age": "نمتلك الخبرة والمعرفة، لكننا بحاجة ماسة لتوسيع قدراتنا أمام حجم الاحتياجات الهائل. نحن نرحب بمبادرة 'رعاية التأهيل في غزة' ونعوِّل عليها لمساعدتنا في زيادة عدد كوادرنا العاملة والوصول إلى مساعدة عدد أكبر من المصابين".

وأضافت الغصين، التي تعمل في المركز منذ ثلاثة عقود، أن الفريق يضطر غالباً لإعادة تدوير أجزاء من أطراف صناعية قديمة نتيجة النقص الحاد في الإمدادات بسبب القيود المفروضة على دخول المعدات الطبية.

ويُشكِّل المصابون ببتر في الأطراف السفلية نتيجة الحرب نحو ثلثي الحالات التي يستقبلها المركز، فيما يمثل الأطفال قرابة خُمس هذه الحالات. المركز الذي تضرر مبناه جراء غارة جوية إسرائيلية، لا يعمل فيه حالياً سوى خمسة مختصين مؤهلين فقط، يساندهم فريق من أخصائيي العلاج الطبيعي والصحة النفسية.

وقالت الغصين: "عندما يأتي إلينا المرضى بعد فقدان أطرافهم، يشعرون بالضياع في حياتهم والهشاشة النفسية إلى حد كبير، خاصة الأطفال؛ وهذا ما يجعل الدعم النفسي ضرورة لا تقل أهمية عن العلاج الطبي".

وختمت قائلة: "نعيش يومياً قصصاً مؤلمة لأشخاص فقدوا أطرافهم وأحباءهم ومصادر رزقهم، لكن قصص النجاح هي ما يمنحنا الأمل؛ فرؤية مريض يمشي مجدداً أو يعود لعمله هي الدافع الأكبر لنا للاستمرار".

وقالت ربى غضبان، مديرة برنامج "رعاية التأهيل في غزة": "نعمل على تصميم مسار علاجي مترابط، حيث يؤدي تعثُّر أي مرحلة فيه إلى تقويض فعالية المراحل الأخرى."

وأشارت إلى أن الأطفال في أوقات الأزمات قد يحصلون على أطراف صناعية من جهات متعددة، لكنها غالباً ما تفتقر للدقة ولا تضمن الاستدامة دون متابعة مستمرة. كما حذرت من أن إهمال جوانب الدمج المجتمعي، كالتعليم والدعم النفسي، قد يبقي الأطفال في حالة من العزلة الاجتماعية.

وفي مرحلتها الثانية، ستعمل المبادرة على زيادة القدرات المحلية، وإنشاء مراكز تأهيل مجتمعية، وتعزيز التكامل بين الخدمات الطبية والتأهيلية.

أما على المدى البعيد، فتهدف المبادرة إلى إطلاق آلية تمويل مستقلة تضمن استدامة الموارد، وتطوير الخبرات المهنية الفلسطينية، وصولاً إلى بناء منظومة تأهيل قادرة على الاستمرار ذاتياً.

من جانبه، رحّب الدكتور ماجد أبو رمضان، وزير الصحة الفلسطيني، بهذا التوجه قائلاً:

"ندعو كافة الجهات العاملة في مجال التأهيل إلى العمل تحت مظلة وطنية موحدة، لبناء نظام فعال ومستدام يلبي احتياجات أبناء شعبنا في غزة". - PA

جرى توثيق أبعاد هذه الأزمة بالتفصيل في تقرير "إعادة بناء خدمات التأهيل لحالات بتر الأطراف في غزة"، الصادر عن مؤسسة "تعاون"، ومؤسسة "منيب وأنجلا المصري"، ومعهد الصحة العالمية في الجامعة الأميركية في بيروت، بالتنسيق مع وزارة الصحة الفلسطينية، ومنظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

"نحن نصمّم مسارًا للرعاية يكون فيه كلّ عنصر مترابطًا. فإذا تعطّل أي جزء من هذا التسلسل، تصبح بقية المنظومة بلا جدوى."

ربى غضبان، مديرة برنامج الرعاية التأهيلية في غزة.