الإعـــاقـــة

الخـــفـيـــة

تبلغ تكلفة المشاكل التي يسببها ضعف النظر على اقتصاد العالم نحو 227 مليار دولار سنوياً على الرغم من توفر حلّ زهيد الثمن عمره نحو 700 عام.

عندما قام فريق من أخصائيي العيون بزيارة مدرسة الشهداء في حي مساكن الشهداء، أحد الأحياء الفقيرة في القاهرة الجديدة، لتقديم نظارات طبية للتلاميذ الذين يعانون من مشاكل في النظر، لم يرد على خاطرهم بأن الخدمة التي أتوا لتقديمها كان لها أهمية أكبر بكثير من مجرد تصحيح نظر التلاميذ المعوزين. فبالنسبة للتلاميذ الذين اعتادوا أن يرهقوا أعينهم وهم يحاولون قراءة السبورة في الصف، فتحت هذه النظارات لهم الآفاق لكي لا يفوتهم شيء من الدراسة ويتعلموا بشكل أفضل وتتوفر لهم فرص أكثر بمستقبل باهر.

ويقول الدكتور محمد شلبي، المدير التنفيذي لمؤسسة مغربي الخيرية، التي تتخذ من القاهرة مقراً لها وتقف خلف المبادرة: "تعد النظارات واحدة من أكثر التدخلات الطبية فعالية وجدوى من ناحية الكلفة في مجال الرعاية الصحية. فبتكلفة لا تزيد عن 100 جنيه مصري (حوالي 6 دولارات) يمكنك أن تساعد طفلاً ليرى بشكل طبيعي".

ومنذ بدايات الألفية الثالثة، قدمت مؤسسة مغربي أكثر من 90,000 زوج من النظارات لأفقر المجتمعات المحلية في مصر. وفي ذات الوقت، تعمل المؤسسة على توعية هذه المجتمعات حول كيفية الحفاظ على صحة العيون، والتخلي عن الوصم الاجتماعي الذي يعيق أولئك الذين يعانون من مشاكل في النظر من طلب المساعدة.

يعطي شلبي مثالاً على هذا الوصم، فيقول: "قد تدرك فتاة أنها بحاجة لنظارات، لكنها لن تضعها على وجهها خوفاً من أن يسخر منها الناس في قريتها لأنهم غير معتادين على مشاهدة شخص يضع نظارات". ويضيف: "ليس هناك من جدوى من توزيع النظارات إذا كان المستفيدون سيتوقفون عن استخدامها خلال بضعة أشهر".

image title image title
يعد ضعف البصر عبئاً صحياً عالمياً يؤثر على الناس من كافة الأعمار والمجتمعات.

"تعد النظارات واحدة من أكثر التدخلات الطبية فعالية وجدوى من ناحية الكلفة في مجال الرعاية الصحية". 

الدكتور محمد شلبي 
المدير التنفيذي، مؤسسة مغربي الخيرية.

على مستوى العالم، هناك ما لا يقل عن 2.5 مليار شخص بحاجة إلى تصحيح البصر لكنهم غير قادرين على تحمل تكلفة النظارات الطبية أو حتى تحمل تكلفة فحص العيون ليحصلوا على وصفة لشراء النظارات. ويكون هذا الوضع على أسوأ حال لدى الفئات المتدنية والمتوسطة الدخل حيث تقدّر نسبة الأشخاص الذين يعانون من قصر النظر أو طول النظر والذين لا يحصلون على الاستشارة أو المساعدة التي هم بحاجة لها إلى أربعة أضعاف غيرهم من الفئات ذات الدخل العالي.

إن الأثر الناجم عن عدم تصحيح مشاكل النظر يطال مختلف الأعمار والوظائف والأنشطة في المجتمع – سواء كان على مستوى الأطفال الذين يتأخرون في دراستهم بسبب عدم تمكنهم من القراءة أو البالغين الذين لا يستطيعون الحفاظ على وظيفة بسبب تراجع مستوى نظرهم. ويبدو أن ضعف النظر غير المصحح الذي ينتشر في الدول النامية يلعب دوراً في النسب العالية لحوادث السير المميتة التي تتصف بها هذه الدول.

من الناحية المادية، فإن عدم توفر النظارات أو العدسات لدى المصابين بضعف البصر يكلّف الاقتصاد العالمي خسائر في الإنتاجية تبلغ نحو 227 مليار دولار، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية التي تفيد أيضاً بأن فرص النساء في الحصول على العلاج أو تصحيح النظر تتدنى إلى نصف الفرص المتاحة للرجال.

ويؤكد شلبي على هذه الإحصاءات، قائلاً: "لا يعتبر ضعف البصر مشكلة صحية فحسب، بل تترتب عليه أيضاً تداعيات اقتصادية واجتماعية وتربوية". ويضيف بأن ضعف البصر هو أكبر مشكلة إعاقة لم تلق الاهتمام اللازم عالمياً.

يضع العديد من رواد العطاء سلامة العيون في أسفل سلّم الأولويات في أجندتهم للصحة العامة، فهم يركزون جهودهم على مكافحة الأمراض التي تهدد الحياة مثل الملاريا والإيدز والسل. ليس هناك من خلاف على أهمية مكافحة الأمراض الخطرة والتي يمكن الوقاية منها، لكن في الوقت الذي تتطلب فيه عملية الوقاية أو علاج هذه الأمراض تطوير أدوية ولقاحات باهظة الثمن أو استخدام تقنيات مكلفة، لا تكلف مشاكل تصحيح النظر أكثر من كلفة فنجانين من القهوة للشخص الواحد، وذلك باستخدام تقنية يقارب عمرها الـ 700 عام.

وتقول إليزابيث سميث، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لمنظمة 'آي لايانس' (EYElliance) غير الربحية، وهي تحالف دولي يعمل على حشد الرأي لرفع مستوى الاهتمام بصحة العيون ضمن أجندة الصحة العالمية، وتضم مؤسسة مغربي ضمن أعضائها: "توفر النظارات الطبية حلاً بسيطاً وشديد الفعالية لقاء التكلفة".

image title image title
تشير التقديرات إلى أن هناك ما لا يقل عن 2.5 مليار شخص حول العالم بحاجة إلى نظارات لكنهم لا يمتلكون ثمنها.

وتعتمد حجة التحالف في الدعوة إلى قضيته على أن تكلفة النظارات الطبية زهيدة جداً مقارنة بحجم نتائجها الإيجابية المباشرة وغير المباشرة وانعكاساتها على قضايا مجتمعية مهمة مثل خفض حوادث السير ومساعدة العديد من الأسر على الخروج من دوامة الفقر.

وفق تقديرات شركة إيسيلور Essilor الفرنسية المصنّعة للعدسات والتي تنادي بتوفير خدمات تصحيح البصر لجميع فئات المجتمعات المحلية في العالم، فإن استثماراً بقيمة 2.4 مليار دولار من شأنه أن يوفر نظارات طبية لما يقارب الـ 90 بالمئة من جميع الأفراد الذين هم بحاجة لتصحيح النظر، وذلك من خلال مراكز توزيع محددة حول العالم.

وتشدد سميث على الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للنظر السليم، قائلة: "الأفراد الذين يعانون من ضعف البصر، سواء كانوا أطفالاً أو بالغين، هم مستبعدون من عالم من الفرص الاقتصادية المتاح لغيرهم. لذا يجب علينا إيصال قضيتهم للفاعلين في أوساط التنمية الدولية لكي يشملوها ضمن أولوياتهم".

وتوفر الدراسات المتنامية الأدلة الداعمة لهذا المطلب. ومن هذه الدراسات، على سبيل المثال، دراسة نشرتها مجلة 'لانسيت' في العام 2018، بينت أن كمية الحصاد اليومي الذي تقوم به مجموعة من النساء العاملات في قطف أوراق الشاي في الهند واللواتي يعانين من قصر النظر ازدادت بما يقارب 22 بالمئة بعد أن تم تصحيح بصرهن بنظارات طبية. وكانت نسبة الزيادة في الإنتاجية بين النساء اللواتي تجاوزت أعمارهن الـ 50 عاماً نحو 32 بالمئة. وكشفت دراسة أخرى أجريت في الصين على أطفال في عمر الصف الأول الابتدائي أنه بعد تزويدهم بنظارات طبية لتصحيح نظرهم، تحسن أداؤهم الدراسي كما لو أنهم أكملوا فترة دراسة إضافية مدتها من أربعة إلى ستة أشهر.

وتزداد الضغوطات للدفع بالاستثمار في تصحيح البصر في الدول النامية يوماً بعد يوم. وقد حذر الخبراء من تضاعف حالات قصر النظر عالمياً بشكل غير مسبوق، ما قد يتطلب إجراءات تصحيحية لنحو نصف سكان العالم بحلول عام 2050. وتتعدد أسباب زيادة هذه الحالات التي تشمل تحوّل المزيد من العمالة في الدول النامية إلى وظائف مكتبية بسبب التحول العمراني، والجلوس لساعات طويلة أمام شاشات الكمبيوتر، فضلاً عن نمو معدلات الشيخوخة بشكل عام.

وتوضح سميث بأن الجهود التي تبذلها جميع المنظمات غير الحكومية لتوفير النظارات الطبية في الدول النامية لا تغطي مجتمعة أكثر من 0.3 بالمئة من الحاجة، ما يمثل فرصة هائلة غير مستغلة للمساهمة في تنمية هذه الدول.

وتقول: "إن مشكلة بهذا الحجم تستدعي تطوير نهج متعدد الحلول، ما يعني مشاركة نشطة من قبل القطاعين العام والخاص". – PA